الشيخ السبحاني

83

مفاهيم القرآن

يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرابِ يَسْألُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيْكُمْ مَا قَاتَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا » ( الأحزاب : 10 - 20 ) . وهذه الآيات ؛ تشرح بصراحة ما عليه جماعة كثيرة من أصحاب النبيّ ولا تختصّ بالمنافقين ؛ لقوله سبحانه : « إِذْ جَاءُوكُمْ . . مِنْ فَوقِكُمْ . . وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ » وقوله سبحانه : « وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ » عاطفاً لها على المنافقين فقال « وَالَّذِينَ » ولم يقل ( الذين ) . نعم كانت في صحابة النبيّ ثلة جليلة بالغة منتهى الإيمان والعمل ، وهم الذين عناهم اللَّه تعالى بقوله : « وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قالُوا : هَذَا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانَاً وَتَسْلِيماً * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرْ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا » . ( الأحزاب : 22 - 23 ) . إجابةٌ عن سؤالٍ ولعل القائل يقول : بأنّهم كيف لم يبلغوا الدرجة الكاملة في أمر القيادة مع أنّهم ؛ حطّموا امبراطوريتين كبيرتين ، وبنوا فوق أنقاضها صرح الإسلام ، أضف إلى ذلك ؛ أنّه سبحانه وصفهم في سورة الفتح بقوله : « فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ » ( الفتح : 29 ) . فهو يدل على كفاءتهم في أمر القيادة والاعتماد على أنفسهم ؛ حيث شبّههم بالزرع المستغلظ القائم على سوقه . ولكن الإجابة على هذا السؤال سهلة بعد الوقوف على ما نذكره : 1 - إنّ التسلّط على الامبراطوريّتين لم يكن نتيجة قوة القيادة وصحتها ، بل كان لقوّة تعاليم الإسلام ؛ أكبر سهم في نفوذهم وسيطرتهم عليهما ، حيث كانت التعاليم بمجرّدها تسحر القلوب ، وتجذب العقول وتفتح الطريق خاصّة بين تلك الشعوب التي طالما عاشت الضغط والحرمان ، وعانت من الظلم والاضطهاد المرير .